البخاري
تصدير 94
صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )
ويبلغه ابن أبي حاتم هذا ، فيضطر إلى الدفاع عن نفسه بأنّه لم يقله من عند نفسه ، وإنّما نقله ورواه ، وأنّه يتأسى بالرسول صلّى اللّه عليه وسلم في عيب المعيب . ( هدى الساري 2 - 195 ) . وكتاب الجامع الصحيح الذي رواه عنه تسعون ألفا ، واستحق ثناء الناس في كل زمان ، لم ينج أيضا من لسان الظالمين من معاصريه ، ونفهم هذا من قول البخاري لمحمّد بن أبي حاتم : « لو نشر بعض أستارى هؤلاء لم يفهموا كيف صنفت الجامع ولا عرفوه » . ( هدى الساري 2 - 201 ) . والعبارة كما نرى مشعرة بالضيق ، وإن ظل كتابه محتفظا بجلاله ، واستمر في تقدير المسلمين أعظم كتاب صنّفه بشر . * * * وهذه الأحداث وأمثالها لا مبعث لها إلّا المنافسة والحسد ، ولا مقصد لأصحابها إلّا أن يتنقصوا من قدر البخاري ، وأن يشيعوا بعض الغيوم في سمائه ، وأغلب الظنّ بأكثرها أنّه كان ينتهى إلى زوال سريع ، ولا يبقى له أثر ، لا في نفس هذا الإمام العظيم ، ولا في سير حياته ، غير أن بعض الأحداث التي وقعت له في أخريات عمره ، قد بلغ في عنفه وقسوته ، وعمق أثره في نفسه ، أنه لم يقو على مواجهته بغير الضّراعة والشكوى إلى اللّه . ولا شك أن كثرة حسّاده من أهل بلده كان من الأمور القاسية التي واجهها البخاري حين عاد إليه ، فقد حرم أن ينعم بالاستقرار في موطنه ، بعد كفاح العمر في رحلاته المتتابعة وجدّه المتواصل في طلب العلم ، وكان هذا ممّا يؤلمه ويحزّ في قلبه ، وإن مرارته لتنضح فيما توجّه به إلى اللّه من قوله :